صادق عبد الرضا علي

291

القرآن والطب الحديث

هو زاده إلى الحياة الآخرة ، فإن تزود في دنياه بالأعمال الطيبة الصالحة ، وجد في الآخرة الحياة الطيبة الصالحة ، وإن تزود بالخبيث الكريه ، وجد هناك الحياة الخبيثة الكريهة . قليل من الناس أولئك الذين يرحلون عن هذه الحياة الدنيا ، دون أن تنازعهم أنفسهم إلى التعلق بها والحنين إليها ، مهما كان سوء حظهم فيها ، وشقاؤهم بها . . الناس جميعهم - إلّا هذه القلة القليلة - يتعلقون بالحياة راغبين في المزيد من البقاء فيها ، ولو أخذت منهم الأيام ، وألحت عليهم العلل ، وحطمتهم السنون . . فحب البقاء طبيعة كل حي ، وهو في الانسان طبيعة وإرادة معا . . طبيعة تدفعه إلى حفظ نفسه ، بالابقاء على ذاته أطول عمر ممكن ، وإرادة تخلقت في الانسان من اتصاله بالحياة ، واختلاطه بالأحياء ، وانفساح آماله بينهم ، وامتداد آثاره فيهم . والموت هو الذي يقطع على الانسان حبل هذا الرجاء ، ويقتل في نفسه كل دواعي هذا الأمل في امتداد الحياة إلى غاية لا نهاية لها . ومع هذا ، فقد رفض العقل الانساني منذ أول مرحلة من مراحل تفكيره أن يجعل الموت خاتمة نهائية لحياة الانسان . . وقد اتخذ لذلك عدة أساليب ، يخفف بها من سطوة العدم الذي يخيل إليه أنه سيحتويه بعد الموت . . فأقام المقابر لموتاه ، وسعى إليهم - في أوقات مختلفة - يناجيهم ، ويبثهم ما بصدره من حنين وأشواق ، حتى لكأنهم في سفر قد طال وهو ينتظر عودتهم ، ولقاءهم بعده . . ثم حول المقابر وعليها أقيمت التماثيل للموتى وتليت الأدعية ، وقدمت القرابين ، ليجد الميت في ذلك ما يهنأ به ويستريح إليه . وهكذا ، أقام العقل الانساني حياة - على أية صورة - في عالم الموتى . . ولم يؤمن العقل أبدا بأن وراء الموت هذا العالم الذي يلفه العدم المطلق ، كما يتوهمه الماديون الذين عرفهم الناس جيلا بعد جيل . ولقد كان أهم ما ميّز دين المصريين القدماء ، هو فكرة الخلود ، ووصل الانسان بعد الموت بحياة جديدة ، وتلك الفكرة هي جرثومة التفكير التي تخلقت منها